حيدر حب الله
52
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
إلا أنّه يمكن التوقّف قليلًا عند الاستناد للسيرة على مستوى بعض الزوايا ، رغم القبول بالاستدلال مبدئيّاً ، وذلك : أ - إنّ الملاحظ في نقل الأحاديث المختلفة فيما بينها في دقّة النقل ، أنّ هناك تشابهاً كبيراً في النصّ المنقول ، غاية الأمر أنّ هناك زيادة ونقيصة ، الأمر الذي يكشف عن كونهم كانوا يسعون لتلقّي ونقل الحديث بلفظه ، غاية الأمر أنّهم كانوا يعجزون أحياناً كثيرة عن ذلك ؛ للسهو أو النسيان أو غير ذلك ، وإلا فلماذا كانت الأحاديث المنقولة بالمعنى متشابهة كثيراً في بعض الألفاظ والتراكيب ، وحديث الثقلين المذكور يؤكّد هذا المعنى الذي ندّعيه . وهذه المداخلة تهدف لتضعيف الاستناد لواقع النصوص الحديثيّة التي بين أيدينا ، لإثبات أنّ الاختلافات نشأت من خلال النقل بالمعنى ، وهي تقلّص هذه الفرضيّة ، لكنّها لا تبطل أصل الاستدلال بالسيرة على جواز نقل المعنى ، كما هو واضح ؛ لأنّها لا تقدر على إثبات أنّ هذا التقارب في الألفاظ نشأ عن ارتكاز حرمة النقل بالمعنى ، بل قد يكون ناشئاً عن ارتكاز أفضليّة النقل بالمعنى ، والتباري به بين الرواة والمحدّثين . ب - إنّ غاية ما يعطيه دليل السيرة هنا هو الترخيص في النقل بالمعنى عند العجز عن النقل باللفظ ، فعندما لا تتوفّر الكتابة عندهم ، يعلم أنّ حالهم يغلب عليه عدم حفظ الألفاظ والعجز عن حفظها لمدد طويلة ، وفي هذه الحال لو نقلوا المعنى لدلّ ذلك على الترخيص به عند عدم تحقّق الحفظ ، ولا يدلّ على الترخيص به مطلقاً ، ولو كان الإنسان حافظاً للحديث ، فيُرجع لبعض صور القول بالتفصيل التي تقدّمت سابقاً . إلا إذا قيل : لو كان النقل باللفظ واجباً لزمهم تهيئة مقدّماته ، ولا يظهر من حالهم السعي لذلك أصلًا ، وإنّما نشأت عمليّة التدوين لاحقاً من مبرّرات أخرى ، وليس تحرّزاً من موضوع النقل بالمعنى كما يظهر بالمراجعة التاريخيّة ، بل لو كان ارتكاز النقل باللفظ موجوداً ، وليس ارتكاز النقل بالمعنى ، لظهرت أسئلة كثيرة في هذا الصدد ؛ لشدّة الابتلاء